مصطفى صادق الرافعي
28
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فيمن غزاهما مع أهل العراق حذيفة بن اليمان ، فرأى كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة ، أنهم لا يجرون من ذلك على أصل في الفطرة اللغوية كما كان العرب يقرءون بلحونهم ، ورأى ما يبدر على ألسنتهم حين يأتي كل فريق منهم بما لم يسمع من غيره ، إذ يتمارون فيه حتى يكفر بعضهم بعضا ، ولم ير عندهم نكيرا لذلك ولا إكبارا له ، بل كانوا قد ألفوه بين أنفسهم ، وصار من عاداتهم وأمرهم ، ففزع إلى عثمان فأخبره بالذي رأى ، وكان عثمان قد رفع إليه أن شيئا من ذلك يكون بين المسلمين الذين يقرءون الصّبية ويأخذونهم بحفظ القرآن فينشئون وبهم من الخلاف بعضهم على بعض ، فأعظم رحمه اللّه أمر هذه الفتنة ، وأكبره الصحابة جميعا ، لأن الاختلاف في كتاب اللّه مدرجة إلى مخالفة ما فيه ، ومتى أهملوا بعض معانيه لم يكن بد أن يتصرفوا ببعض ألفاظه ، وإنما هو اجتراء واحد فيوشك أن يكون ذلك مساغ للتحريف والتبديل ، فأجمعوا أمرهم أن ينتسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر ، وأن يأخذوا الناس بها ويجمعوهم عليها ، حذار تلك الرّدة المشتبهة ، وإشفاقا على الناس أن يصيروا كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ، فأرسل عثمان إلى حفصة فبعثت إليه بتلك الصحف ، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت ، وإلى عبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف ثم قال للرّهط القرشيين الثلاثة : ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه بلسانهم « 1 » . قال زيد - في بعض الروايات عنه - : فلما فرغت عرضته عرضة فلم أجد فيه هذه الآية :
--> ( 1 ) في رواية أخرى عن زيد بن ثابت : أن عثمان أمره أن يكتب له مصحفا بعد أن رفع إليه أمر الاختلاف . وقال إني مدخل معك رجلا لبيبا فصيحا ، فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ ، فجعل معه أبان بن سعد بن العاص ، فلما بلغا في الكتابة قوله تعالى : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ قال زيد فقلت التابوت . وقال أبان بن سعد : التابوت ، فرفعنا ذلك إلى عثمان ، فكتب : التابوت . وفي رواية ثالثة لابن عساكر : أن عثمان خطب في الناس يومئذ وعزم على كل رجل عنده شيء من كتاب اللّه لما جاء به ، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن ، حتى جمع من ذلك كثرة ؛ ثم دعاهم رجلا رجلا ، فناشدهم : أسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو أملاه عليك ؟ فيقول : نعم ، فلما فرغ من ذلك عثمان قال : من أكتب الناس قالوا : كاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زيد بن ثابت ، قال : فأي الناس أعرب ؟ قالوا : سعيد بن العاص ، قال : فليمل سعيد وليكتب زيد ، وتحسب أن اختلاف هذه الرواية وما جاء بمعناها من وجوه أخرى إنما بعث عليه تصور الرواة لأبلغ ما يكون من صور الثقة في هذا الأمر حتى يحكموه من نواحيه كلها ، فإنك لا ترى منها رواية إلا وفيها مبالغة في التحري ليست في الأخرى . والذي يخبر بمثل ذلك الخبر عن القرآن إنما يخبر بأمر شديد إذا هو لم يمكن فيه لموضع الثقة ولم يحصنه أشد التحصين حتى لا تجد الشبهة إليه سبيلا ، وظاهر أنه من المحال أن تكون كل هذه الروايات هي الواقع .